مع اقتراب موعد انعقاد الدورة العادية المقبلة لمجلس النواب، تبدو معركة رئاسة المجلس مختلفة هذه المرة، وسط مؤشرات سياسية ونيابية توحي بأن الطريق إلى كرسي الرئاسة قد لا يكون مفروشاً بالتوافقات التي اعتادتها الاستحقاقات السابقة، وأن صندوق الاقتراع قد يكون حاضراً بقوة لتحديد هوية الرئيس المقبل.
المشهد النيابي بدأ مبكراً في رسم خريطة المنافسة، مع تداول عدد من الأسماء الراغبة في خوض السباق، إلا أن المعطيات الحالية لا تعني بالضرورة وصول جميع الأسماء المتداولة إلى يوم الانتخاب، إذ تبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في إعادة ترتيب الأوراق، وانسحاب بعض الأسماء أو اندماجها في تفاهمات جديدة. وتشير تقارير حديثة إلى أن بورصة الأسماء المتداولة تقترب من عشرة نواب.
السليحات.. تمسّك بالحظوظ وعدم مغادرة السباق
في مقدمة المشهد يبرز اسم النائب نمر السليحات، الذي يبدو هذه المرة أكثر تمسكاً بحظوظه في خوض انتخابات رئاسة المجلس، مستنداً إلى حضوره النيابي وتجربته داخل المجلس، فضلاً عن ترؤسه للجنة المالية النيابية، التي انتخب رئيساً لها بالتوافق في كانون الأول 2024.
واللافت في حالة السليحات أن الحديث عن ترشحه لا يأتي في إطار تسجيل اسم جديد في بورصة الرئاسة فحسب، بل في سياق إصرار على إبقاء خيار المنافسة مفتوحاً، وعدم التعامل مع الرئاسة باعتبارها موقعاً يُحسم بالضرورة من خلال تفاهمات مسبقة بين الكتل والنواب.
وهنا تكمن أهمية دخوله السباق؛ فاستمراره حتى اللحظة الأخيرة يعني أن التوافق على اسم واحد قد يصبح أكثر صعوبة، خصوصاً إذا تمكن من بناء قاعدة نيابية قادرة على دفعه إلى يوم الاقتراع.
الزعبي.. "الرئاسة بالصندوق" لا بالتوافق
في الجهة الأخرى، يأتي النائب عوني الزعبي بموقف أكثر وضوحاً تجاه آلية حسم الرئاسة.
فالزعبي أعلن عزمه خوض المنافسة، وأكد أنه لن يتراجع عن الترشح لمجرد ظهور مرشح يحظى بالتوافق، وهو موقف يفتح الباب عملياً أمام احتمال الذهاب إلى انتخابات فعلية داخل القبة، بدلاً من إغلاق الملف عبر تفاهم نيابي مسبق.
وهنا تتحول المعركة من مجرد منافسة على منصب رئيس مجلس النواب إلى نقاش أوسع حول آلية اختيار الرئيس: هل يكون القرار نتاج تفاهمات سياسية ونيابية، أم أن الكلمة الأخيرة يجب أن تكون لصندوق الاقتراع وأصوات النواب؟
وإذا بقي الزعبي متمسكاً بموقفه حتى اللحظة الأخيرة، فإن أي توافق يتم التوصل إليه خارج القاعة سيواجه اختباراً حقيقياً داخل المجلس، لأن استمرار مرشح جاد في السباق يعني أن التوافق لن يكون كافياً وحده لإنهاء المعركة.
لماذا تبدو الدورة المقبلة مختلفة؟
المؤشر الأبرز في هذه الانتخابات أن أكثر من اسم بدأ يتحرك في وقت مبكر، فيما لا تزال الكتل النيابية في مرحلة اختبار المرشحين وقياس قدرتهم على جمع الأصوات.
وهذا يعني أن المعركة لم تعد فقط بين أشخاص، وإنما بين سيناريوهين:
الأول: العودة إلى التوافق النيابي، بحيث تتفق الكتل والنواب على اسم واحد قبل جلسة الانتخاب، وتنتهي المنافسة قبل أن تبدأ فعلياً.
والثاني: بقاء أكثر من مرشح حتى يوم الاقتراع، والاحتكام إلى أصوات النواب داخل القبة، بحيث يصبح الرئيس المقبل هو من ينجح في جمع العدد المطلوب من الأصوات، بعيداً عن التفاهمات المسبقة.
المعطيات الحالية تجعل السيناريو الثاني أكثر حضوراً مما كان عليه في مراحل مبكرة من الاستحقاقات السابقة، خصوصاً مع إعلان الزعبي صراحة عدم الانسحاب في حال وجود مرشح توافقي.
السليحات والزعبي.. معركة قد تعيد تعريف قواعد اللعبة
إذا استمر النائبان نمر السليحات وعوني الزعبي في سباق الرئاسة حتى موعد الانتخاب، فإن المنافسة ستكون أمام اختبار مختلف.
فالسليحات يمتلك تجربة داخل المجلس وحضوراً في العمل النيابي واللجان، فيما يقدم الزعبي نفسه باعتباره مرشحاً يريد أن تكون الانتخابات هي الفيصل.
وبالتالي، فإن السؤال لن يكون فقط: من يملك فرصاً أكبر في الوصول إلى الرئاسة؟
بل سيكون أيضاً:
هل يملك أي مرشح القدرة على فرض التوافق، أم أن تعدد المرشحين وإصرار بعضهم على الاستمرار سيجعلان الصندوق سيد الموقف؟
بورصة الأسماء.. أكثر من منافس والنتيجة مفتوحة
إلى جانب السليحات والزعبي، تتداول الأوساط النيابية أسماء أخرى، بينها مازن القاضي، خميس عطية، إبراهيم الطراونة، نصار القيسي، مصطفى الخصاونة، أحمد هميسات وعلي الخلايلة، مع بقاء القائمة قابلة للتغيير خلال الفترة المقبلة.
لكن التجربة البرلمانية تقول إن كثرة الأسماء في بداية السباق لا تعني بالضرورة استمرارها حتى النهاية؛ فمع اقتراب موعد الاقتراع تبدأ الحسابات الدقيقة، وتظهر التحالفات، وتتحول الاتصالات من جس نبض إلى مفاوضات فعلية حول الأصوات.
وقد تنتهي المنافسة إلى مرشحين فقط، أو أكثر، أو حتى توافق أخير، لكن الفارق هذه المرة أن هناك مرشحين يرسلان إشارات واضحة بأنهما لا يريدان أن تكون التوافقات بديلاً عن الانتخابات.
الاختبار الحقيقي يبدأ داخل القبة
الانتخابات، إذا حصلت، ستكون اختباراً لقدرة كل مرشح على تحويل حضوره السياسي والنيابي إلى أصوات فعلية.
فالرئاسة لا تُحسم بكثرة الأسماء المتداولة، ولا بحجم الحراك الإعلامي، وإنما بعدد النواب الذين يقفون خلف كل مرشح عند لحظة التصويت.
ومن هنا، فإن الأسابيع المقبلة ستشهد على الأرجح سباقاً موازياً للسباق العلني: اتصالات، لقاءات، تفاهمات، إعادة ترتيب للتحالفات، ومحاولات لاستقطاب النواب المستقلين والكتل التي لم تحسم موقفها بعد.
الخلاصة: توافق أم صندوق؟
المشهد حتى الآن لا يسمح بالجزم بأن انتخابات رئاسة مجلس النواب ستذهب حتماً إلى الاقتراع التنافسي، لكنه في الوقت ذاته يعطي مؤشرات جدية على أن خيار الانتخابات بات أقوى من السابق، خصوصاً مع تمسك أسماء بارزة بالمنافسة.
وفي حال بقي نمر السليحات متمسكاً بحظوظه، وواصل عوني الزعبي إصراره على خوض الانتخابات حتى لو ظهر مرشح توافقي، فإن الطريق إلى رئاسة المجلس قد يصبح مفتوحاً أمام معركة نيابية حقيقية داخل القبة.
وهنا قد تكون المفارقة السياسية الأبرز في الاستحقاق المقبل:
النواب الذين سيحاولون صناعة التوافق خارج القبة، قد يجدون أنفسهم في النهاية أمام صندوق الاقتراع داخلها.
فإما أن تنجح الاتصالات في إنتاج توافق يحسم السباق قبل الجلسة، أو أن يفشل التوافق في احتواء إصرار المرشحين، فتكون الكلمة الأخيرة لأصوات النواب.
وفي الحالة الثانية، لن يكون السؤال: من هو المرشح التوافقي؟
بل سيكون السؤال الأكثر حسماً:
من يستطيع أن يجمع أصوات النواب عندما تُغلق أبواب القاعة وتبدأ عملية الاقتراع؟
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
أكتب تعليقا
رد على :
الرد على تعليق
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع جريدة الشاهد الاسبوعية - الشاهد بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن
الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين
التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع جريدة الشاهد الاسبوعية - الشاهد
علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.