أخر الأخبار

صناعة الفتنة

25-04-2018 02:16 PM
عدد القراء : 74

د. رحيل محمد غرايبه
الأردن بلد آمن مستقر، والشعب الأردني شعب عربي أصيل، متسامح ومضياف، وفي الوقت نفسه شعب متدين معتدل وعصري ملتزم، استطاع على مدار عقود متوالية أن يصنع نسيجاً اجتماعياً متميزاً من عدة مكونات عرقية وقومية ودينية وعشائرية على نحو جميل؛ يحمل معاني القوة والغرابة المدهشة معاً، وعند المقارنة مع المجتمعات المجاورة يشكل إحدى الظواهر الاجتماعية الفريدة التي تستحق الفخر والإعجاب من جهة، كما تستحق العناية والرفق وحسن التعامل من كل الأطراف بلا استثناء من جهة أخرى.
في بدايات القرن المنصرم تشكلت دولة جديدة وحديثة في جنوب بلاد الشام وسط تغيرات إقليمية هائلة وأعاصير سياسية عاتية، لكنها استطاعت تشكيل شعب أردني عريق يحمل الهوية العروبية الإسلامية على نحو أصيل ومعجز، فهناك عشائر بدوية أصيلة لها امتداداتها الحقيقية عبر الجنوب والشمال والشرق والغرب، وهناك الفلاحون والمزارعون المنغرسون في قراهم وأريافهم منذ آلاف السنين، وهناك من هم من أصول شامية شكلوا نواة التجارة الأولى في عمان والمدن الكبيرة، وهناك من هم من أصول شركسية وشيشانية مهاجرة من أقاصي شمال آسيا وجدوا مستقرهم الآمن في الأردن وهناك مهاجرون فلسطينيون على إثر النكبة والنكسة وتوابعها، وهناك من هم من أصول كردية وبشناق وإيرانيين وحجازيين ومصريين، وهناك مسلمون ومسيحيون كلهم انصهروا عبر بوتقة الوطن الواحدة ليعملوا معاً على إيجاد نهضة أردنية حديثة سامقة وشامخة يشار إليها بالبنان، وتصلح أن تكون نموذجاً عربياً ناجحاً يصلح للبحث والدراسة كاحدى التجارب المعاصرة التي شقت طريقها بنجاح متميز، يصلح للاستمرار والتقدم إلى الأمام لتكون أكثر تجذراً ورسوخاً.
هذه التجربة الناجحة أصبحت محل حسد الحاسدين وشنآن الحاقدين والجهلة المتعصبين، وأصبحت في العصر الحاضر تتعرض لبعض محاولات الزعزعة والاختراق والعبث، وأصبحنا نلاحظ بعض الجهات الداخلية التي تستجيب بوعي أحياناً وبغير وعي أحياناً أخرى لهذه المحاولات العابثة التي تبغي زرع بذور الفتنة، في هذا المجتمع الوادع، فهناك من يحاول الدخول من خلال إثارة النعرات الدينية لتحقيق بعض المكتسبات العاجلة من خلال ما يمتلكون من شبكات إعلامية واقتصادية قادرة على شراء الذمم وتوظيف بعض قصار النظر، وهناك من يحاول الدخول من نافذة التعصب الجهوي أو العرقي، وينفث سمه في بعض الأوقات والمحطات الحرجة، وهناك من يحاول الدخول من خلال بعض الثغرات السياسية التي تحدثها التغيرات والأحداث السياسية في المشهد الإقليمي الملتهب.
أكثر الظواهر خطورة في الآونة الأخيرة هي تلك التي تحاول العبث في المسألة الدينية، ويلاحظ تشكيل الشلل المتخصصة التي لا تدرك خطورة العبث في هذه المسألة، ويلقون الكلام على عواهنه، ويعمدون إلى المبالغة ونسخ الأكاذيب من أجل تهييج العوام وتوليد الإشاعات من أجل اغتيال بعض الشخصيات والإساءة إلى بعض المؤسسات المعتبرة، وعند البحث والتقصي نقف على حقيقة مرعبة مردها إلى وجود جهة منظمة لها مخططاتها على زرع بذور الفتنة بطريقة تخلو من الانتماء الوطني، وتفتقر إلى المستوى الأخلاقي.
على جميع العقلاء في هذا البلد أن يعمدوا إلى صيانة الوحدة الوطنية والعمل على صيانة النسيج الاجتماعي الأردني بما يحفظ التعددية الدينية والسياسية والاجتماعية في مجتمعنا الأردني الكبير من أجل أن يبق عصيّاً على الفتنة، وعصيّاً على الفوضى وعصيّاً على كل محاولات العبث اليائسة التي ستتحطم على صخرة الوحدة الأردنية الصلبة من خلال التدقيق والتحري والتفصي في كل ما يقال وينشر بطريقة مسؤولة ومتروية وحازمة وضرورة الأخذ على يد الفئة العابثة وغير المسؤولة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع جريدة الشاهد الاسبوعية - الشاهد بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع جريدة الشاهد الاسبوعية - الشاهد علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :